+
أأ
-

هل تمتلك فنزويلا حقاً أكبر احتياطي نفطي في العالم؟

{title}

بحسب المعطيات المُعلنة، تمتلك فنزويلا، احتياطيات نفطية تكفيها للحفاظ على مستويات الإنتاج الحالية لأكثر من 800 عام، وهو ما يمثل فرصة مغرية للبيت الأبيض الذي يسعى إلى دفع شركات النفط الكبرى لإعادة تشغيل الدولة النفطية من جديد.

لكنّ ادعاء الدولة الواقعة في أميركا الجنوبية بأنها تجلس على أكثر من 300 مليار برميل، ما يعادل 17% من إجمالي احتياطيات العالم، ويتجاوز حتى احتياطيات السعودية، لطالما شكّك فيه بعض خبراء القطاع، بما في ذلك الشركة نفسها التي تمّ التعاقد معها للمساعدة في تقييم الموارد في عهد الزعيم الاشتراكي الراحل هوغو تشافيز. وتشير تقديرات أكثر واقعية إلى أن احتياطيات فنزويلا لا تتعدى ثلث هذا الرقم المعلن، أو أقل منه.

تشير الاحتياطيات المؤكدة إلى الكمية المقدّرة من النفط الخام التي يمكن استخراجها تجارياً بدرجة معقولة من اليقين في ظل الظروف الاقتصادية والتكنولوجية والتنظيمية الحالية، وهو معيار يقول مهندسو النفط المخضرمون في فنزويلا وغيرهم من الخبراء منذ وقت طويل إن ادعاء البلاد لا يفي به.

عندما تعاقدت شركة النفط الوطنية الفنزويلية مع شركة استشارية مختصة بتوثيق الموارد لتقييم حزام أورينوكو النفطي الشاسع في أواخر العقد الأول من الألفية، يقول الخبراء إن حكومة تشافيز استغلّت النتائج وعمقتها لتعزيز النفوذ السياسي داخلياً وخارجياً، في وقت كانت أسعار النفط تشهد ارتفاعاً حاداً، وسط موجة من الحماس القومي تجاه الموارد. وقد ترسخ هذا الادعاء لاحقاً وساعد البلاد في الحصول على مزيد من التمويل.

قال هرمان أكوينا، رئيس شركة "رايدر سكوت" (Ryder Scott) التي تتخذ من هيوستن مقراً لها، والتي قيّمت الحزام النفطي كاملاً على مراحل من عام 2008 إلى 2011 باستخدام سجلات من شركة "بتروليوس دي فنزويلا" (Petróleos de Venezuela SA): "بعض الأرقام التي نُسبت إلى شركتنا لم تكن بالضرورة مطابقة تماماً لما كنّا نحسبه". وأضاف أن "رايدر سكوت" أصدرت توضيحات علنية في ذلك الوقت لتسليط الضوء لى الطبيعة المشروطة لتلك الموارد.

وقال أكوينا، الذي قاد المشروع حينها، إن شركات النفط الوطنية، مثل "بتروليوس دي فنزويلا"، "تتصرف بحرية" في التعامل مع البيانات بهدف إبراز إمكانات بلدانها، أحياناً.

ومع ذلك، وحتى مع أخذ التفاوت في البيانات وطبيعة النفط الفنزويلي اللزجة في الاعتبار، لا تزال التقديرات المتحفظة تشير إلى وجود كميات هائلة من النفط في باطن الأرض، ما يُبقي الدولة العضو في "أوبك" ضمن نادي كبار المنتجين. لكن الأسئلة المحيطة باحتياطيات فنزويلا تُظهر كيف يمكن تسييس البيانات التي يتم الترويج لها على نطاق واسع وتشويهها، ما يجعلها في أحسن الأحوال غير موثوقة، وفي أسوأها مضلِّلة بدرجة كبيرة.

وقال فرانسيسكو مونالدي، خبير الطاقة في جامعة رايس، إن الاحتياطيات المثبتة في فنزويلا تقل كثيراً عن الرقم الرسمي المُعلن، مضيفاً أن التقدير المتحفظ سيكون "حوالي 110 مليارات برميل".

الكمية من النفط الفنزويلي القابلة للإنتاج اقتصادياً اليوم أقل من ذلك بعد. ففي حساب جديد يعكس المشهد ما بعد مادورو، قدّرت شركة الأبحاث "ريستاد إنرجي" (Rystad Energy)، ومقرّها أوسلو، هذا الرقم عند 60 مليار برميل.

لم ترد شركة "بتروليوس دي فنزويلا" ووزارتا النفط والمعلومات على طلبات التعليق على الفور.

قال لويس باتشيكو، وهو مسؤول تنفيذي سابق رفيع في شركة "بتروليوس دي فنزويلا"، إن قضية الاحتياطيات بالنسبة للمستثمرين في نهاية المطاف هي "مجرد ذريعة".

وأضاف: "حتى لو كانت الاحتياطيات 50 مليار برميل بدلاً من 300 مليار برميل، فإن فنزويلا يمكن أن تنتج 3 ملايين برميل يومياً لمدة 45 عاماً".

من جهته، قدّم جوليان سالازار، وهو مستشار وأحد قدامى موظفي "بتروليوس دي فنزويلا"، رؤية أوسع. وقال إنه مع إعادة فتح فنزويلا أمام المستثمرين، "ينبغي أن تكون البيانات التي ستُقدَّم لهم صحيحة من الناحيتين التقنية والعلمية، ليتمكنوا من اتخاذ قرار بشأن الجدوى الاقتصادية للاستثمار في تلك الحقول النفطية أو عدمه".

وتساعد هذه الأرقام الضخمة في تفسير سبب استمرار جاذبية فنزويلا لشركات النفط الكبرى مثل "شيفرون" (Chevron Corp.) و"كونوكو فيليبس" (ConocoPhillips)، في عالم تتضاءل فيه الفرص لزيادة احتياطيات الشركات الكبرى بشكل كبير في دفاترها المالية. ففي فنزويلا، تستطيع هذه الشركات استرداد ديون قديمة وتلبية الطلب من مصافي الساحل الأميركي على خليج المكسيك. وتُعد "شيفرون" حالياً الشركة النفطية الكبرى الوحيدة التي تملك ترخيصاً أميركياً لضخ النفط الفنزويلي، إلا أن من المتوقع أن تحصل شركات أخرى على الضوء الأخضر قريباً، بعد أن ألقت الولايات المتحدة القبض على الرئيس نيكولاس مادورو وتعهدت بإعادة فتح اقتصاد البلاد أمام الاستثمار الأجنبي.

جاءت حملة إعادة احتساب الثروة النفطية في فنزويلا، التي أُطلق عليها اسم "مشروع الاحتياطي النفطي العظيم" (Proyecto Magna Reserva Petrolera)، في لحظة مشحونة سياسياً خلال العقد الأول من الألفية.

ففي ذلك الوقت، كانت إدارة الرئيس هوغو تشافيز، بما في ذلك وزير النفط المخضرم رافاييل راميريز، قد أقالت آلاف المهندسين والمديرين المتمرسين في شركة "بتروليوس دي فنزويلا" (PDVSA) بعد إضرابهم احتجاجاً على تدخل الدولة في شؤون الشركة. وفي عام 2007، استولت الحكومة على أصول شركتي "إكسون" و"كونوكو فيليبس"، لتعيد بذلك السيطرة إلى شركة وطنية باتت مُنهَكة بفعل النزيف المؤسسي.

وللوصول إلى الرقم المذهل البالغ 300 مليار برميل، ضخّمت الحكومة الافتراضات بشأن كمية النفط القابلة للاستخراج في أورينوكو، وفقاً لما قاله مونالدي وخبراء نفط آخرون. وكانت النسبة الرسمية التي اعتبرها السياسيون قابلة للاستخراج، والبالغة 20% من إجمالي النفط الموجود في باطن الأرض، تفوق بأكثر من الضعف ما تمكّنت "بتروليوس دي فنزويلا" وشركائها من استخراجه فعلياً.

وقال مونالدي: "في الواقع، لم تتجاوز نسبة الاستخلاص في فنزويلا 7% إلى 8% فقط".

قال المهندس النفطي الفنزويلي غوستافو كورونيل، الذي كان من أوائل أعضاء مجلس إدارة "بتروليوس دي فنزويلا" في السبعينيات، إن السياسيين أيضاً تغاضوا عمداً عن الجودة المتدنية والقابلية الاقتصادية والتقنية المشكوك فيها لمعظم الموارد. وقارن كورونيل هذا الادعاء المبالغ فيه بـ"من يروّج لبضاعة رديئة على أنها فاخرة".

ورغم ذلك، قال كورونيل: "كانت فنزويلا تتفاخر بأنها تملك أكبر احتياطيات نفطية على وجه الأرض، وكان الناس يرددون ذلك كالببغاوات".

دعّت حكومة تشافيز شركات النفط المملوكة للدول ذات الانحياز الأيديولوجي من أوروغواي إلى بيلاروس للمشاركة الرمزية في حزام النفط، رغم أن أياً منها لم يكن يملك الخبرة أو رأس المال اللازم للاستثمار في تلك المشاريع. أما المصافي الضخمة وخطوط الأنابيب التي وعد بها تشافيز فلم تُنفّذ قط.