باول امام المحكمة العليا: صراع بين استقلال البنك المركزي والسلطة التنفيذية

في خطوة نادرة واستثنائية تعكس حجم المخاطر التي تتهدد هيبة واستقلالية البنك المركزي الاميركي، يترقب الشارع السياسي والمالي حضور رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول شخصياً أمام المحكمة العليا يوم الأربعاء.
ويأتي حضور باول للمرافعات الشفهية في قضية إقالة المحافظة ليزا كوك ليعطي الزخم الأكبر لهذا الصراع القانوني. حيث اختار باول الخروج عن صمته التقليدي والوقوف في الصفوف الأولى للدفاع عن حصانة أعضاء مجلسه ضد محاولات الرئيس دونالد ترمب فرض سلطته التنفيذية على السياسة النقدية.
هذا الحضور الشخصي من باول، الذي تدعمه وحدة كاملة من أعضاء البنك المركزي وعشرات الرؤساء السابقين وخبراء الاقتصاد، ليس مجرد إجراء بروتوكولي، بل هو رسالة سيادية مفادها أن استقلال الفيدرالي خط أحمر.
جذور النزاع
تعود تفاصيل الأزمة إلى شهر أغسطس الماضي، عندما حاول ترمب عبر منشور على وسائل التواصل الاجتماعي إقالة ليزا كوك، أول امرأة سوداء تشغل منصب حاكم في الفيدرالي، مستنداً إلى ادعاءات بارتكابها احتيالاً عقارياً في قروض الرهن العقاري. ومن جانبها، نفت كوك، التي عيّنها الرئيس الأميركي السابق جو بايدن، هذه الاتهامات جملة وتفصيلاً، ورفعت دعوى قضائية تؤكد فيها أن القانون يحمي أعضاء مجلس الحكام من الإقالة إلا في حالات محددة يثبت فيها التقصير أو سوء الإدارة.
ويرى الفريق القانوني لكوك أن اتهامات الاحتيال ليست سوى ذريعة سياسية للتخلص منها بسبب مواقفها من السياسة النقدية، خصوصاً في ظل ضغوط البيت الأبيض المستمرة لخفض أسعار الفائدة.
تتركز المعركة القانونية أمام القضاء على المادة العاشرة من قانون الاحتياطي الفيدرالي، التي تنص على أن عضو المجلس يشغل منصبه لمدة 14 عاماً ولا يمكن إزاحته إلا إذا عُزل من قبل الرئيس لسبب موجب.
التفسير القانوني لعبارة "لأسباب موجبة"
لكن القانون لا يحدد بدقة ماهية هذه الأسباب، لكن العرف القانوني حصرها تاريخياً في: انعدام الكفاءة، أو إهمال الواجب، أو سوء السلوك المهني. ويجادل محامو كوك بأن السماح للرئيس بإقالة حاكم بناءً على اتهامات غير مثبتة يعني إلغاء الرقابة القضائية، ويجعل أي حاكم عرضة للإقالة بناءً على أي تهمة، مهما كانت واهية.
مرت القضية بمحطات قضائية مهمة قبل وصولها إلى قضاة المحكمة العليا التسعة. ففي سبتمبر 2025، أصدرت القاضية الفيدرالية جيا كوب قراراً بمنع إقالة كوك، عادّةً أن ادعاءات الاحتيال العقاري لا ترقى إلى مستوى السبب الموجب الذي يتطلبه القانون.
ورفضت محكمة الاستئناف في دائرة كولومبيا طلباً من البيت الأبيض لإلغاء قرار المنع، فيما تنظر المحكمة العليا اليوم في الجانب التقني المتعلق بوقف تنفيذ قرار القاضية كوب مؤقتاً، مما يسمح بإقالة كوك فوراً أو إبقائه نافذاً حتى انتهاء التقاضي بشكل كامل.
تضارب التوقعات
يسود القلق أوساط المدافعين عن استقلال الفيدرالي بسبب التوجهات الحالية للمحكمة العليا ذات الغالبية المحافظة (6 - 3). فعلى الرغم من أن المحكمة لمحت في مايو الماضي إلى أن البنك المركزي كيان شبه خاص وله وضع تاريخي مميز يحميه من التدخل الرئاسي، فإنها في قضايا مشابهة تتعلق بلجنة التجارة الفيدرالية، أبدت استعداداً لتقليص القوانين التي تمنع الرئيس من إقالة المسؤولين في الوكالات المستقلة.
تأتي مرافعات الأربعاء قبل أسبوع واحد فقط من اجتماع الاحتياطي الفيدرالي المقرر في 28 يناير الحالي لتحديد أسعار الفائدة. ومن المتوقع أن تشارك ليزا كوك في هذا الاجتماع في انتظار قرار المحكمة.
إذا ما قررت المحكمة العليا الانحياز إلى موقف البيت الأبيض، فإن ذلك لن ينهي مسيرة كوك المهنية فقط، بل قد يفتح الباب أمام عهد جديد تصبح فيه السياسة النقدية الأميركية رهينة التقلبات السياسية في البيت الأبيض، مما قد يهز ثقة الأسواق العالمية بالدولار وبالاستقرار المالي الأميركي.















