+
أأ
-

انهيار بنك آينده وتأثيره على الاقتصاد الإيراني

{title}

أشعلت الاضطرابات الأخيرة في إيران شرارة لم تكن ناتجة فقط عن مطالب سياسية تقليدية أو صدام آيديولوجي. بل جاءت من أعماق النظام المصرفي، الذي لطالما كان يمثل الصندوق الأسود لتمويل النخبة الحاكمة. وفق تقرير موسع لصحيفة وول ستريت جورنال الأميركية.

عندما أعلن عن انهيار بنك آينده أواخر العام الماضي، لم يكن الأمر مجرد إفلاس لمؤسسة مالية. بل كان إيذاناً بنهاية حقبة اقتصاد الظل الذي اعتمده النظام للالتفاف على الضغوط الدولية. وقد غرق هذا البنك، الذي أداره مقربون من دوائر القرار، في ديون تجاوزت 5 مليارات دولار نتيجة قروض فاسدة واستثمارات وهمية، مما أجبر الحكومة على طباعة كميات هائلة من السيولة لتغطية الفجوة. وهو الإجراء الذي أدى بدوره إلى انفجار تضخمي لم يعد المواطن العادي قادراً على تحمله.

علي أنصاري مهندس الظل

في قلب هذه العاصفة المالية، برز اسم علي أنصاري, الذي يعتبر من أكثر الشخصيات إثارة للجدل في المشهد الاقتصادي الإيراني. أنصاري، الذي ينحدر من واحدة من أثرى عائلات البلاد، لم يكن مجرد رجل أعمال تقليدي، بل كان مهندساً لشبكة مالية معقدة بدأت خيوطها في عام 2013 عندما أسس بنك آينده عبر دمج مصرفين حكوميين مع مؤسسة مالية كان يملكها سابقاً. هذا الصعود السريع لم يكن وليد الصدفة، بل استند إلى علاقات سياسية وثيقة مع التيار المحافظ، وتحديداً مع الرئيس الأسبق محمود أحمدي نجاد، مما سمح له ببناء إمبراطورية عابرة للحدود.

تجلت مظاهر ثرائه في امتلاكه قصراً تقدر قيمته بملايين الدولارات في شمال لندن، بعيداً عن أعين الملايين من الإيرانيين الذين يكافحون تحت وطأة الفقر. وعلى الرغم من ذلك، لم تكن أنشطة أنصاري بعيدة عن أعين الرقابة الدولية، حيث سارعت المملكة المتحدة إلى فرض عقوبات مشددة عليه بعد أيام قليلة من الانهيار المدوي لبنك آينده، واصفةً إياه بالمصرفي الفاسد الذي لعب دوراً محورياً في تمويل الذراع الاقتصادية والعسكرية الأقوى في البلاد.

تمويل الحرس الثوري والعقوبات

على الرغم من هذه الاتهامات، حاول أنصاري التنصل من المسؤولية في بيان أصدره في أكتوبر الماضي، معزياً فشل البنك إلى قرارات وسياسات خارجة عن سيطرته. وقد تجاهل حقيقة أن مصرفه اعتمد لسنوات على جذب المودعين عبر تقديم أعلى أسعار فائدة في تاريخ البلاد، وهي السياسة التي وصفتها الدوائر الاقتصادية بأنها عملية هروب إلى الأمام.

هذا الأمر أدى في النهاية إلى تراكم قروض غير منتظمة وجبال من الديون التي استنزفت البنك المركزي. يتجلى عمق المأساة في قصة إيران مول، المشروع العملاق الذي موّله بنك آينده والذي صُمم ليكون أكبر مركز تجاري في المنطقة. في الوقت الذي كان فيه الاقتصاد الإيراني يترنح تحت وطأة العقوبات، كانت أموال المودعين تُضخ لبناء قاعات مرايا ملكية ودور سينما فاخرة، مما جعله تجسيداً صارخاً لسياسة الإقراض الذاتي.

إيران مول نصب تذكاري للفساد

لقد منح البنك قروضاً هائلة لشركات يملكها مؤسسه علي أنصاري، مما جعل 90 في المائة من موارد البنك محبوسة في مشاريع عقارية غير سائلة، بينما يعجز المواطنون عن سحب مدخراتهم البسيطة لتأمين لقمة العيش. وقد كشف انهيار بنك آينده عن الوجه القبيح للعلاقة بين النخبة المالية والسياسة النقدية في طهران، حيث استمر البنك المركزي الإيراني لسنوات في طباعة كميات مهولة من الريالات لضخ السيولة في عروق بنك أنصاري المتصلب.

هذا الدعم الحكومي لم يكن لإنقاذ المودعين بقدر ما كان لحماية المصالح المتشابكة للنخبة المرتبطة بالحرس الثوري. جاء هذا الانهيار المالي في لحظة تاريخية شديدة الحساسية، حيث تزامنت الأزمة الاقتصادية مع تراجع حاد في قدرة النظام على الردع العسكري، مما أدى إلى تآكل شرعية الإنجاز التي كان النظام يستند إليها.

المصرف المركزي وطباعة الديون

ومع تشديد الرقابة الأميركية على تدفقات الدولار من العراق، والتي كانت تمثل الرئة المنسية للاقتصاد الإيراني، وجد البنك المركزي نفسه مجرداً من أدوات التدخل لحماية الريال، الذي هوى في عام 2025 ليفقد 84 في المائة من قيمته. بدلاً من أن تعمل الحكومة على امتصاص غضب الشارع، جاءت موازنة ديسمبر لتعمق الجراح عبر إجراءات تقشفية قاسية.

شملت الموازنة رفع الدعم عن الخبز والوقود وإلغاء أسعار الصرف التفضيلية، وهي خطوات كانت تهدف لتوفير 10 مليارات دولار لتغطية عجز الدولة المنهارة. لكن هذه الأرقام تحولت على أرض الواقع صدمة معيشية دفعت حتى البازار التقليدي، وهو العمود الفقري للاستقرار التاريخي في طهران، للنزول إلى الشارع.

العاصفة الكاملة وتآكل الهيبة

إن ما يحدث اليوم في المدن الإيرانية ليس مجرد احتجاج عابر، بل هو تعبير عن وصول دولة الاستثناء إلى طريق مسدود. فبعد عقود من هندسة الالتفاف على العقوبات واستخدام البنوك كقنوات لإثراء النخبة المرتبطة بالحرس الثوري، جفت المنابع تماماً. ويمثل انهيار بنك آينده نموذجاً لـ5 بنوك كبرى أخرى تواجه المصير ذاته، مما يضع النظام أمام خيارين أحلاهما مر.

إما الاستمرار في طباعة الأموال والمخاطرة بانهيار اجتماعي شامل، أو القبول بإصلاحات جذرية قد تقتلع جذور النخبة المالية الحاكمة. وفي ظل أزمات موازية في المياه والكهرباء، يبدو أن الدولة لم تعد تملك سوى القبضة الأمنية لمواجهة شعب لم يعد لديه ما يخسره.