الاقتصاد الرقمي وبياناتنا في سوق الظل: من السنتات إلى التريليونات

قبل نحو 12 عاماً، قالت النجمة الأميركية سكارليت جوهانسون إن صوتاً "يشبهها بشكل مخيف" استُخدم في منتج تجاري للذكاء الاصطناعي. وأوضحت أن أقرب المقربين منها لم يتمكنوا من التمييز بين الصوت الحقيقي والمستنسخ. هذه الواقعة لم تكن مجرد خلاف فني، بل علامة فارقة على واقع جديد، حيث لم تعد الأصوات والوجوه ملكاً حصرياً لأصحابها، بل تحولت إلى مادة قابلة للاستخلاص والتداول.
بعد أسابيع من تلك الحادثة، وقع الرئيس الأميركي دونالد ترمب قانوناً جديداً يستهدف الصور الحميمية المصنوعة بالذكاء الاصطناعي. وأكد أن هذا القانون ليس موجهاً للقطاع التقني فحسب، بل هو اعتراف سياسي بأن الضرر لم يعد نظريًا، وأن الذكاء الاصطناعي قد تجاوز حدود المختبرات إلى حياة الناس.
تطرح هذه الواقعة سؤالاً أكبر: إذا كانت البيانات السلوكية قد أصبحت مادة خاماً لاقتصاد ضخم، فمن يملك الحق في تقرير مصيرها؟ ومن يحصد قيمتها؟ ومن يدفع ثمنها عند إساءة الاستخدام؟
اقتصاد يتوحش في الظل
يبرز تقرير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد) الخلفية الكبرى لهذا التحول، حيث ارتفعت التجارة الإلكترونية بين الشركات من 17 تريليون دولار عام 2016 إلى 27 تريليون دولار عام 2022. وقد سجل هذا النمو يناهز 60 في المائة خلال ست سنوات فقط. لكن ما يتجاوز التجارة هو سيل البيانات الناتج من هذا التوسع.
فالهواتف الذكية والمنازل الذكية وكل جهاز متصل بالإنترنت يمثل نقطة جمع محتملة لبيانات الموقع والسلوك. وبينما يتم تسويق ذلك بوصفه "تخصيصاً" و"راحة"، يظهر وسطاء البيانات كأحد اللاعبين الرئيسيين في هذا المجال، حيث يجمعون معلومات هائلة عن الأفراد ثم يعيدون بيعها في أسواق مغلقة.
تقديرات أبحاث السوق تشير إلى أن سوق وسطاء البيانات بلغ عام 2024 ما بين 250 و280 مليار دولار، مع توقعات بتجاوزه نصف تريليون دولار خلال أقل من عقد. لكن الأخطر هنا هو طريقة تسعير الإنسان داخل هذه السوق.
الخدمة المجانية... الوهم الأكبر
يختصر عاصم جلال، استشاري العلوم الإدارية وتكنولوجيا المعلومات، التحول الذي شهدته البيانات الشخصية في عبارة واحدة: "المنصات لا تمنحك خدمة مجانية، بل تشتري منك معلوماتك". ويضيف أن تجارة البيانات لم تعد أثراً جانبياً للتكنولوجيا، بل أصبحت بوابة أساسية للتسويق وصناعة القرار الاقتصادي.
تسمح هذه التجارة للشركات بفهم أنماط الشراء والاهتمامات والسلوكيات اليومية للمستخدمين، مما يمكنها من استهدافهم بدقة. في هذا النموذج، لا تكون القيمة في الاشتراك أو عدد المستخدمين، بل في قدرتهم على توليد بيانات مستمرة.
هذه المعادلة تمثل جوهر الاقتصاد الرقمي الحديث، حيث تتنافس الشركات على امتلاك نماذج أذكى وأسرع لفهم الإنسان والتنبؤ بسلوكه، لأن من يسبق في جمع البيانات وتحليلها يسبق في الأرباح.
كتلة عربية ضخمة تترقب قوة تشريعية
هذا التحول يبرز مفارقة لافتة في المنطقة العربية، حيث يقترب عدد مستخدمي الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي من حجم الاتحاد الأوروبي. ومع ذلك، تفتقر هذه الكتلة إلى عنصر الحسم الحقيقي، وهو التشريع الموحد.
تشير الدراسات إلى أن الشركات العملاقة لا تتأثر بعدد المستخدمين بقدر ما تتأثر بالقوانين والغرامات، مما يجعل الوزن الاقتصادي للمستخدمين غير مترجم إلى نفوذ فعلي. ويؤكد جلال أن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا يظل مهماً اقتصادياً، لكنه غير كافٍ لحماية المستهلك دون إطار قانوني جماعي.
في المقابل، تعمل معظم الدول العربية بتشريعات متفرقة ومحدودة التأثير، ما يزيد من ضعف حماية المستهلك في ظل هذا الاقتصاد الرقمي المتسارع.
عقد إذعان عالمي
في قلب هذه المعادلة، يقبع زر صغير مكتوب عليه "أوافق"، وهو ما يمثل بوابة الفخ العملاق. يرى بعض الخبراء أن ما يحدث ليس موافقة حرة بل "عقد إذعان"، حيث لا يملك المستخدم خيار التفاوض أو الرفض. فإما أن يوافق على شروط طويلة ومعقدة، أو يُحرم من الخدمة بالكامل.
يشير الدكتور محمد عزام إلى أن التكنولوجيا فرضت "عقداً اجتماعياً رقمياً جديداً"، حيث يتبرع المستخدم ببياناته مقابل دخول عالم رقمي أصبح ضرورياً للحياة والعمل. ويصف عزام منصات التكنولوجيا الكبرى بأنها "إمبراطوريات العصر الحديث"، حيث باتت السيطرة بيد شركات تمتلك البيانات.
بينما يجمع وسطاء البيانات كميات ضخمة من البيانات من مصادر متعددة، فإن المستخدمين لا يعرفون الوسيط الذي اشترى بياناتهم لاحقاً أو الغرض الذي ستستخدم فيه. وهذا قد يؤدي إلى استخدام البيانات لأغراض غير متوقعة.
الذكاء الاصطناعي يلتهم الماضي
تقدر دراسات أن حجم البيانات العالمية تجاوز 150 زيتابايت في عام 2024، وهي كمية هائلة تراكمت على مدار أكثر من عقدين. هذه البيانات أصبحت المادة الأساسية لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، التي تقدم خدمات طبية وتعليمية وتحليلية عالية الدقة.
ويؤكد الخبراء أن الذكاء الاصطناعي لم يعد يكتفي بالنصوص، بل أصبحت الوجوه والأصوات المدخل الجديد للقيمة وللخطر معاً. ومع ذلك، لا يزال السؤال الأخلاقي والقانوني مفتوحاً حول حق الأفراد في الاعتراض على استخدام بياناتهم التاريخية.
في هذا السياق، يشدد الخبراء على ضرورة وجود إطار قانوني ورقابي قادر على فرض قواعد واضحة لحماية البيانات ومحاسبة من يسيء استخدامها.
من يملك وجوهنا؟
في نهاية المطاف، قد تُباع صورتك أو عينة من صوتك أو جزء من سلوكك اليومي بسنتات معدودة. لكن هذه السنتات، حين تُجمع من مليارات البشر، تتحول إلى تريليونات الدولارات من القيمة الاقتصادية. ومع ذلك، فإن الثمن الحقيقي لتلك التجارة لا يمكن قياسه بالمال وحده.
في عصر يمكن فيه نسخ الوجه والصوت كما تُنسخ الملفات، يصبح السؤال: كيف نحمي الإنسان نفسه من أن يتحول بنداً صغيراً في ميزانية اقتصاد الظل الرقمي؟















